رأي الخليفة في بيت المقدس

عن سعيد بن المسيب قال: استأذن رجل عمر بن الخطاب في إتيان بيت المقدس فقال له: إذهب فتجهز فإذا تجهزت فأعلمني فلما تجهز جاءه فقال له عمر: إجعلها عمرة !

قال: ومر به رجلان وهو يعرض إبل الصدقة فقال لهما: من أين جئتما؟ قالا: من بيت المقدس، فعلا هما بالدرة وقال: أحج كحج البيت؟ قالا: إنا كنا مجتازين ! (1).

قال الأميني: إن بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال وتقصد بالزيارة والصلاة فيها لكن الخليفة عزبت عنه تلكم المأثورات النبوية فلم يسمعها منه صلى الله عليه وآله وسلم أولم يعها أو نسيها فمنع الرجل المتأهب لزيارته عنها وعلا بالدرة من حسب إنه زاره فتترسا عنها بإبداء أنهما مرا به مجتازين، وإليك نصوص أحاديث الباب فاقرأها واعجب.

1 - عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.

أخرجه أحمد في مسنده 2، ص 238، 278، والبخاري في صحيحه كما في السنن الكبرى 5 ص 44، ومسلم في صحيحه 1 ص 392، والدارمي في سننه 1 ص 330، وأبو داود في سننه 1 ص 318، وابن ماجة في سننه ص 430، والنسائي في سننه 2 ص 37، والبيهقي في سننه 5 ص 244، والبغوي في مصابيحه 1 ص 47، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4 ص 3: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات أثبات.

لفظ آخر لأبي هريرة:

إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة. ومسجدي. ومسجد إيليا.

أخرجه مسلم في صحيحه 1 ص 392، والبيهقي في سننه 5 ص 244.

____________

(1) أخرجه الأزرقي كما في كنز العمال 7 ص 157.


قال الأميني: إيلياء اسم مدينة بيت المقدس، قيل: معناه بيت الله. قال أبو علي: و سمي البيت المقدس إيلياء بقول الفرزدق:

وبيتان بيت الله نحن ولاته * وقصر بأعلى إيلياء مشرف

2 - عن علي أمير المؤمنين بلفظ أبي هريرة الأول.

أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 4 ص 3.

3 - عن عبد الله بن عمر بلفظ أبي هريرة الأول.

أخرجه البزار وقال الهيثمي في المجمع 4 ص 4: رجاله رجال الصحيح. وفي لفظ آخر له:

لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام. ومسجد المدينة. ومسجد بيت المقدس.

أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط. وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.

4 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: إن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالا ثلاثة: سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه. فأوتيه. وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه. وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه.

أخرجه ابن ماجة في سننه 1 ص 430، والنسائي في سننه 2 ص 34.

5 - عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير مسجد الحرام. والمسجد الأقصى. ومسجدي هذا.

أخرجه أحمد في مسنده 3 ص 64، وبلفظ أبي هريرة الأول في ج 3 ص 7، 4، 3 51، 77، 78، وفي صحيفة 45 بدل المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، وبلفظ أبي هريرة أخرجه عن أبي سعيد البخاري في صحيحه 3 ص 224 في باب الصوم يوم النحر، والترمذي في صحيحه 1 ص 67، وابن ماجة في سننه 1 ص 430، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ص 60.

6 - عن أبي الجعد الضميري مرفوعا: لا تشد الرحال. إلخ بلفظ أبي هريرة الأول رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد 4 ص 4.

7 - عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فان صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: فتهدي له زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه.

أخرجه ابن ماجة في سننه 1 ص 429، والبيهقي في سننه 2 ص 441.

8 - عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري مرفوعا: لا يعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء. أو: بيت المقدس. يشك أيهما قال. بغية الوعاة ص 444).

 

قال الامینی : هذه جملة مما ورد في بيت المقدس وقصده للصلاة، وقد أسرى المولى سبحانه عبده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكانت الصحابة تقصدها للصلاة في مسجدها كم في مجمع الزوائد 4 ص 4، وأفرد الحافظ ابن عساكر كتابا فيه وأسماه (المستقصى في فضائل المسجد الأقصى).

وإذا غضضنا الطرف عن هذه الأحاديث فإن شد الرحال إلى أي من المساجد يكون من المباحات الأولية التي لم يرد عنها نهي، فما معنى الارهاب بالدرة في مثلها؟ مع أن من يمم مسجدا للصلاة فيه يحاسب في أجره ممشاه بالخطوات وقرب سيره وبعده كما في صحاح أخرجها الترمذي في صحيحه 1 ص 184.

نعم ! كأن الخليفة كان يرى إتيان تلكم المساجد إحياء لآثار الأنبياء و ربما  . . .

رأي الخليفة في المجوس

أخرج يحيى بن سعيد بإسناده عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما أدري ما أصنع بالمجوس وليسوا أهل الكتاب؟ - وفي لفظ: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ - فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.

وعن بجالة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية على مناذر (1) فجاءنا كتاب عمر: انظر المجوس من قبلك فخذ منهم الجزية فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر.

وعنه قال: لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.

راجع الأموال لأبي عبيد ص 32، موطأ مالك 1 ص 207، صحيح البخاري كتاب فرض الخمس باب الجزية، مسند أحمد 1 ص 190، جامع الترمذي 1 ص 192 وفي ط 1 ص 300 بعدة طرق صحح بعضها وحسن أخرى، سنن الدارمي 2 ص 234، سنن أبي داود 2 ص 45، كتاب الرسالة للشافعي ص 114، أحكام القرآن للجصاص 3 ص 114، فتوح البلدان للبلاذري ص 276، سنن البيهقي 8 ص 248، و ج 9 ص 189، مصابيح البغوي 2 ص 97 وصححه، سيرة عمر لابن الجوزي ص 114، مشكاة المصابيح ص 344، تيسير الوصول 1 ص 245.

____________

(1) كورة من كور الأهواز.



قال الأميني: أو لا تعجب ممن يتصدى للخلافة الكبرى ولا يعرف أمس لوازمها بها؟ فإن حكم المجوس من أوليات ما يلزم معرفته لمتولي السلطة الإسلامية من الناحية المالية والسياسية والدينية.

أو لا تعجب من تعطيل حكم هام كهذا سنين متطاولة إلى شهادة عبد الرحمن ابن عوف وإجراء الحكم بعدها؟ وكان ذلك قبل موت الخليفة بسنة (1) ومن الممكن أن يبتلى له وبمثله وعبد الرحمن أو مثله في منتأى عنه، فبماذا يعمل إذن؟ ولو لم تلد عبد الرحمن أمه فإلى ما كان يؤل أمره؟ ومن ذا الذي كان يفيض علمه عليه؟ وكيف يتولى الأمر من يجد في الرعية من هو أعلم منه؟ وأين هو ومن ولاه الأمر من قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله و رسوله وجميع المؤمنين. (2) فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟.

____________

(1) راجع مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ص 344.

(2) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5 ص 211.