22-23- حديث جبلة بن عمرو . . .
ابن ساعدة الساعدي الأنصاري (بدري)
أخرج الطبري من طريق عثمان بن الشريد قال: مر عثمان علي جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال: يا نعثل؟ والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار، ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه وأخرج من طريق عامر بن سعد قال: كان أول من أجرأ على عثمان بالمنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو جالس في ندي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا؟ قال: ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. قال عثمان: أي بطانة؟ فوالله إني لا أتخير الناس. فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله دمه (2) قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم.
تاريخ الطبري 5: 114، الكامل لابن الأثير 3: 70، تاريخ ابن كثير 7: 176، شرح ابن أبي الحديد 1: 165.
____________
(1) قال البلاذري في الأنساب 5: 47: قال الكلبي: هو رخيلة بن ثعلبة البياضي، بدري.
(2) هو عبد الله بن سعد راجع ما أسلفناه في ج 8: 280 ط 2.
|
|
|
وأخرج البلاذري في الأنساب 5: 47 الحديث الأول باللفظ المذكور فقال: ثم أتاه وهو على المنبر فأنزله، وكان أول من اجترأ على عثمان وتجهمه بالمنطق الغليظ وأتاه يوما بجامعة فقال: والله لأطرحنها في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه، أطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلت وفعلت، وكان عثمان ولى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمه ويبيعه بسومه، ويجبي مقاعد المتسوقين، ويصنع صنيعا منكرا، فكلم في إخراج السوق من يده فلم يفعل، وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكف عنه فقال: والله لا ألقى الله غدا فأقول: إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل.
وأخرج ابن شبه في أخبار المدينة من طريق عبد الرحمن بن الأزهر: إنهم لما أرادوا دفن عثمان فانتهوا إلى البقيع من دفنه جبلة بن عمرو فانطلقوا إلى حش كوكب فدفنوه فيه (1).
قال الأميني: إنك جد عليم بما في هذا المبجل البدري الذي أثنى عليه أبو عمر في " الاستيعاب " بقوله: كان فاضلا من فقهاء الصحابة. وهو أحد الصحابة العدول الذين يحتج بما رووه أو رأوه من شدة على عثمان وثباة عليها، حتى أنه يعد المحايدة يومئذ من الضلال الذي يأمر به السادة والكبراء الضالون، ويهدد عثمان و يرعد ويبرق وينهى عن رد السلام عليه الذي هو تحية المسلمين، ومن الواجب شرعا ردها، وينزله عن منبر الخطابة إنزالا عنيفا بين الملأ، ثم لم يزل يستخف به ويهينه ولا تأخذه فيه هوادة حتى منعه عن الدفن في البقيع، فدفن في حش كوكب مقابر اليهود وكل هذه لا تلتئم مع حسن ظنه به فضلا عن حسن عقيدته.
نعم: إن جبلة فعل هذه الأفاعيل بين ظهراني الملأ الديني الصحابة العدول وهم بين متجمهر معه، ومخذل عن الخليفة المقتول، ومتثبط عنه، وراض بما دارت على الخليفة من دائرة سوء، ما خلا شذاذ من الأمويين الذين وصفهم جبلة في بيانه، وقدمنا نحن تفصيل ما نزل في القرآن فيهم في الجزء الثامن ولم تقم الجامعة الدينية لهم ولآرائهم وزنا.
____________
(1) الإصابة 1: 223.
|
|
|
أبي عبد الرحمن الأنصاري (بدري)
أخرج الطبري من طريق محمد بن مسلمة قال: خرجت في نفر من قومي إلى المصريين وكان رؤساءهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع (1) قال: فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم ورأيت الناس لهم تبعا، قال: فعظمت حق عثمان، وما في رقابهم من البيعة، وخوفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أن في قتله اختلافا وأمرا عظيما، فلا تكونوا أول من فتحه وأنه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه وأنا ضامن لذلك. قال القوم: فإن لم ينزع قال: قلت فأمركم إليكم. قال: فانصرف القوم وهم راضون فرجعت إلى عثمان فقلت: اخلني. فأخلاني فقلت: الله الله يا عثمان! في نفسك، إن هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دمك وأنت ترى خذلان أصحابك لك، لا، بل هم يقوون عدوك عليك، قال: فأعطاني الرضا وجزاني خيرا قال: ثم خرجت من عنده فأقمت ما شاء الله أن أقيم، قال: وقد تكلم عثمان برجوع المصريين وذكر أنهم جاءوا لأمر فبلغهم غيره فانصرفوا. فأردت أن آتيه فأعنفه ثم سكت فإذا قائل يقول: قد قدم المصريون وهم بالسويداء (2) قال: قلت: أحق ما تقول؟ قال: نعم، قال: فأرسل إلى عثمان، قال: وإذا الخبر قد جاءه و قد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب (3) فقال: يا أبا عبد الرحمن! هؤلاء القوم قد رجعوا فما الرأي فيهم؟ قال قلت: والله ما أدري إلا إني أظن أنهم لم يرجعوا لخير قال: فارجع إليهم فارددهم قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأني ضمنت لهم أمورا تنزع عنها، فلم تنزع عن حرف منها قال: فقال: الله المستعان قال: وخرجت وقدم القوم وحلوا بالأسواف وحصروا عثمان وجاءني عبد الرحمن ابن عديس ومعه سودان بن حمران وصاحباه فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ألم تعلم أنك كلمتنا ورددتنا وزعمت أن صاحبنا نازع عما نكره؟ فقلت: بلى، فإذا هم يخرجون إلى صحيفة صغيرة وإذا قصبة من رصاص فإذا هم يقولون: وجدنا جملا من إبل الصدقة عليه غلام عثمان فأخذنا متاعه ففتشناه فوجدنا فيه هذا الكتاب. الحديث يأتي بتمامه. تاريخ الطبري 5: 118، الكامل لابن الأثير 3: 70.
____________
(1) كذا في تاريخ الطبري وفيما حكي عنه والصحيح: ابن البياع وهو عروة بن شييم الليثي.
(2) السويداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام.
(3) واد على مسيرة ليلة من المدينة.
|
|
|
قال الأميني: إنك تجد محمد بن مسلمة هاهنا لا يشك في أن ما نقمه القوم على الخليفة موبقات يستحل بها هتك الحرمات ممن ارتكبها، لكنه كره المناجزة وحاول الاصلاح حذار الفتنة المستتبعة لطامات وهنابث، وسعى سعيه في رد القوم بضمانه عسى أن ينزع الخليفة عما فرط في جنب الله، وأن يكون ذلك توبة نصوحا، فلعل الفورة تهدأ، ولهيب الثورة يخبأ، لكنه لما شاهد الفشل في مسعاه، وأخفق ظنه بعثمان، و رأى منه حنث الإل، وعدم النزوع عن أحداثه، تركه والقوم، فارتكبوا منه ما ارتكبوا ولم يجبه حينما استنصره، ولم يقم لطلبته وزنا، ولم ير له حرمة يدافع بها عنه، و لذلك خاشنه في القول، فكان ما كان مقضيا !
نقدّم لکم قبسات من حياة الخلفاء الأمّة الإسلامیة من کتب العلّامة عبدالحسین الأمینی -رحمة الله علیه- مؤلف کتاب " الغدیر " .