26 -27- حديث عامر بن واثلة أبي الطفيل و سعد بن أبي وقاص
26 - حديث عامر بن واثلة أبي الطفيل الشيخ الكبير الصحابي
قدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل إليه فأتاه وهو شيخ كبير فلما دخل عليه قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر ابن واثلة؟ قال: نعم. قال معاوية: أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن ممن شهده فلم ينصره. قال: ولم؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا وفرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل والله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم. فقال أبو الطفيل: فما منعك يا أمير المؤمنين! إذ تربصت به ريب المنون أن لا تنصره ومعك أهل الشام؟ قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال بلى: ولكني وإياك (1) كما قال عبيد بن الأبرص:
فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم معاوية ثم قال: أتعرفرن هذا الشيخ؟ قالوا: لا. فقال معاوية: هذا خليل علي بن أبي طالب، وفارس صفين وشاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن العاص: قد عرفناه يا أمير المؤمنين! فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم فزجرهم معاوية قال: فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا ثم قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال: ما أنكرهم من سوء ولا أعرفهم بخير وأنشد شعرا:
فقال معاوية: يا أبا الطفيل! ما أبقى لك الدهر من حب علي؟ قال: حب أم موسى وأشكو إلى الله التقصير. فضحك معاوية وقال: ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سألوا عني ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل والله لا نقول الباطل.
الإمامة والسياسة 1: 158، مروج الذهب 2: 62، تاريخ ابن عساكر 7: 201، الاستيعاب في الكنى، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 133.
____________
(1) كذا والصحيح كما في مروج الذهب. ولكنك وإياه.
|
|
|
قال الأميني: أترى هذا الشيخ الكبير الصالح كيف يعترف بخذلانه عثمان؟ و يحكي مصافقته على ذلك عن المهاجرين والأنصار الصحابة العدول، غير متندم على ما فرط هنالك، ولو كان يتحرج هو ومن نقل عنهم موافقتهم له لردعتهم الصحبة والعدالة عما ارتكبوه من القتل والخذلان، ولو كان لحقه وإياهم شئ من الندم لباح به وباحوا، لكنهم اعتقدوا وأمرا فمضوا على ضوئه، وإنهم كانوا على بصيرة من أمرهم، وما اعتراهم الندم إلى آخر نفس لفظوه.
27 - حديث سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى
1 - روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 ص 43 قال: كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان وأني أخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله. الحديث مر بتمامه ص 83.
2 - عن أبي حبيبة قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب فقال له مروان: الآن تندم؟ أنت أشعرته. فأسمع سعدا يقول: استغفر الله لم أكن أظن الناس يجترؤن هذه الجرأة ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك فنزع عن كل ما كره منه وأعطى التوبة. وقال: لا أتمادى في الهلكة ان ما تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان: إن كنت تريد أن تذب عنه فعليك بابن أبي طالب فإنه متستر وهو لا يجبه. فخرج سعد حتى أتى عليا وهو بين القبر والمنبر فقال: يا أبا الحسن! قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد، تصل رحم ابن عمك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقن دمه، ويرجع الأمر على ما نحب. قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى فقال علي: تقبل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلت أذب عنه حتى أني لاستحيي، ولكن مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته وأمرته أن تنحيهم استغشني حتى جاء ما ترى. قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر فسار عليا فأخذ علي بيدي ونهض علي وهو يقول: وأي خير توبته هذه؟ فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة: إن عثمان قد قتل. فلم نزل والله في شر إلى يومنا هذا.
تاريخ الطبري 5: 121.
قال الأميني: يترأى للقارئ من هذه الجمل أن سعدا خذل الخليفة على حين أنه مكثور لا يراد به إلا القتل وهو على علم منه أنه مقتول لا محالة لما كان يرى أنه غير ومتغير، وغير عازب عن سعد حينئذ حكم الشريعة بوجوب كلاءة النفس المحترمة للمتمكن منها وهو يقول: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. حتى أنه بعد هدوء الثورة غير جازم بأنه ارتكب حوبا في خذلانه فيقول: إن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله، وعلى تقدير كونه إساءة يراها من اللمم الممحو بالاستغفار، ولعل الشق الأخير من كلمته مجاملة مع عمرو بن العاصي لئلا يلحقه الطلب بدم عثمان ولذلك ألقى المسؤولية على أناس آخرين من علية الأمة ذكرهم في كتابه، وعليه فصميم رأيه هو ما ارتكبه ساعة القتل من الخذلان.
نقدّم لکم قبسات من حياة الخلفاء الأمّة الإسلامیة من کتب العلّامة عبدالحسین الأمینی -رحمة الله علیه- مؤلف کتاب " الغدیر " .