28-29-30-حديث عبد الله بن عكيم و محمد بن أبي حذيفة و ...
28 - حديث عبد الله بن عكيم
أخرج ابن سعد والبلاذري بإسنادهما عن عبد الله بن عكيم الجهني " الصحابي " قال: لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان. فقيل له يا أبا معيد وأعنت على دمه؟ قال: إني أعد ذكر مساويه إعانة على دمه. طبقات ابن سعد 3: 56، الأنساب للبلاذري 5: 101.
قال الأميني: هذا الحديث صريح في أن الرجل كان يعتقد في عثمان مساوي ومثالب، وقد اطمأن بثبوتها له، فتحدث بها في الأندية والمحاشد إعانة على دمه، فكان ذلك من موجبات قتله، ولم يزل معترفا به بعد أن أسيلت نفسه وأريق دمه.
29 - حديث محمد بن أبي حذيفة
كان أبو القاسم محمد بن أبي حذيفة العبشمي من أشد الناس تأليبا على عثمان، و ذكر البلاذري في الأنساب قال: كان محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن أبي حذيفة، خرجا إلى مصر عام مخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها، فأظهر محمد بن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال: استعمل عثمان رجلا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين قال: سأنزل مثل ما أنزل الله (1).
وكانت غزاة ذات الصوري في المحرم سنة أربع وثلاثين وعليها عبد بن سعد، فصلى بالناس فكبر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها فقال: لولا إنك أحمق لقربت بين خطوك، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره، وجعل ابن أبي حذيفة يقول: يا أهل مصر! إنا خلفنا الغزو وراءنا. يعني غزو عثمان.
إن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد، وإن ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم فيها ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة فسمع ابن أبي سرح قراءته فسأل عنه، فقيل: رجل أبيض وضئ الوجه. فأمر إذا صلى أن يؤتى به فلما رآه قال: ما جاء بك إلى بلدي؟
قال: جئت غازيا، قال: ومن معك؟ قال: محمد بن أبي بكر. فقال: والله ما جئتما إلا لتفسدا الناس، وأمر بهما فسجنا، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلا يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح افريقية فأعد لهما سفينة مفردة لئلا يفسد عليه الناس، فمرض ابن أبي بكر فتخلف وتخلف معه ابن أبي حذيفة، ثم إنهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه، فشخص إلى المدينة وخلف على مصر رجلا كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة، فكان ممن شايعهم وشجعهم على المسير إلى عثمان.
____________
(1) يعني بذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو صاحب يوم الفتح وفيه نزلت الآية كما مر في ص 281 من ج 8 ط 2.
|
|
|
قالوا: وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر فوضع في المسجد وقال: يا معشر المسلمين! ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه؟ فازداد أهل مصر عيبا لعثمان وطعنا عليه، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم، فلما بلغ عثمان ذلك دعا بعمار بن ياسر فاعتذر إليه مما فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لا يحقده عليه، وقال: بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحة خبر ابن أبي حذيفة، وحق ما بلغه عنه من باطله، وأمره أن يقوم بعذره، ويضمن عنه العتبي لمن قدم عليه، فلما ورد عمار مصر (1) حرض الناس على عثمان ودهاهم إلى خلعه، وأشعلها عليه، وقوى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجعهما على المسير إلى المدينة، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه ما كان من عمار، ويستأذنه في عقوبته، فكتب إليه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح فأحسن جهاز عمار واحمله إلي، فتحرك أهل مصر وقالوا: سير عمار، ودب فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه (2).
____________
(1) سنوقفك على أن بعث عمار إلى مصر قط لا يصح.
(2) أنساب البلاذري 5: 49 - 51، تاريخ ابن كثير 7: 157.
|
|
|
وذكر أبو عمر الكندي في أمراء مصر: إن عبد الله بن سعد أمير مصر كان توجه إلى عثمان لما قام الناس عليه، فطلب أمراء الأمصار فتوجه إليه في رجب سنة 35 واستناب عقبة بن عامر فوثب محمد بن أبي حذيفة على عقبة وكان يوم ذاك بمصر فأخرجه من مصر وغلب عليها، وذلك في شوال منها، ودعا إلى خلع عثمان، وأسعر البلاد، وحرض على عثمان (1).
وأخرج من طريق الليث عن عبد الكريم الحضرمي كما في الإصابة 3: 373: إن ابن أبي حذيفة كان يكتب الكتب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الطعن على عثمان كان يأخذ الرواحل فيحصرها ثم يأخذ الرجال الذين يريد أن يبعث بذلك معهم فيجعلهم على ظهور بيت في الحر، فيستقبلون بوجوههم الشمس ليلوحهم تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة، ثم يرسل رسلا يخبروا بقدومهم فيأمر بتلقيهم، فإذا لقوا الناس قالوا لهم: ليس عندنا خبر، الخبر في الكتب، فيتلقاهم ابن أبي حذيفة و معه الناس فيقول لهم الرسل: عليكم بالمسجد فيقرأ عليهم الكتب من أمهات المؤمنين: إنا نشكوا إليكم يا أهل الاسلام كذا وكذا من الطعن على عثمان، فيضج أهل المسجد بالبكاء والدعاء، فلما خرج المصريون ووجهوا نحو المدينة على عثمان شيعهم محمد بن أبي حذيفة إلى عجرود ثم رجع.
قال الأميني: أترى هذا الصحابي العظيم كيف يجد ويجتهد في إطفاء هذه النائرة ولا يخاف فيما يعتقدانه في الله لومة لائم، غير مكترث لما بهته به العثمانيون من اختلاق الكتب على أمهات المؤمنين، وتسويد الوجوه بمواجهة الشمس، ولم يزل على دؤبه و اجتهاده حتى قضي الأمر، وأزيحت المثلات، وما نبزوه به من الافتعال والتزوير هو حرفة كل عاجز، ولعله دبر في الأزمنة الأخيرة كما دبرت أمثاله في كل من الثائرين على عثمان سترا على الحقائق الراهنة.
وهل من المستبعد أن تكتب في التأليب على عثمان صاحبة قول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا إنه قد كفر. وقائلة: وددت والله إنك " يا مروان " وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر. وقائلة: بعدا لنعثل و سحقا. وقائلة: أبعده الله، ذلك لما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد. وقائلة: يا ابن عباس إن الله قد أتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية.
وهي كانت في الرعيل الأول من الثائرين على عثمان بشتى الحيل والطرق الثائرة: هب أنهم بهتوا القوم بتلكم الأفائك لكن هل يسعهم إنكار تألبهم على الخليفة يومئذ؟ وقد التزموا بعدالتهم، والصحاح والمسانيد مشحونة بالاحتجاج بهم والإخراج عنهم، نعم غاية ما يمكنهم من التقول الحكم بالخطأ في الاجتهاد شأن كل متقابلين في حكم شرعي، وليس تحكمهم هذا بأرجح من رأي من يرى أنهم أصابوا في الاجتهاد وإجماع الصحابة يومئذ كان معاضد الهم، وهم يقولون: إن أمة محمد لا تجتمع على خطأ !
____________
(1) تاريخ الطبري 5: 109، الاستيعاب 1: 233، الكامل لابن الأثير 3: 67، الإصابة 3: 373.
30 - حديث عمرو بن زرارة النخعي أدرك عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال البلاذري وغيره: إن أول من دعا إلى خلع عثمان والبيعة لعلي عمرو بن زرارة ابن قيس النخعي، وكميل بن زياد بن نهيك النخعي، فقام عمرو بن زرارة فقال: أيها الناس إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه، وقد أغرى بصلحائكم يولي عليهم شراركم فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة، فكتب إليه عثمان: إن ابن زرارة أعرابي جلف فسيره إلى الشام. وشيعه إلى الأشتر والأسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد وهو عم الأسود والأسود أكبر منه فقال قيس بن قهدان يومئذ:
لأخلعن أبا وهب وصاحبه * كهف الضلالة عثمان بن عفانا
وقال ابن الأثير: هو ممن سيره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق.
راجع الأنساب للبلاذري 5: 30، أسد الغابة 4: 104، الإصابة 1: 548، ج 2: 536.
قال الأميني: ليس على نظرية هذا الصحابي ستر يماط عنها، ولا أنه كان يلهج بغير المكشوف حتى يسدل عليه شئ من التمويه، فإنك لا تجد رأيه إلا في عدد آراء الصحابة جمعاء يومئذ .
نقدّم لکم قبسات من حياة الخلفاء الأمّة الإسلامیة من کتب العلّامة عبدالحسین الأمینی -رحمة الله علیه- مؤلف کتاب " الغدیر " .