قصة الحصار الأول (2)
قصة الحصار الأول (2)
عهد آخر بعد حنث الأول
أخرج الطبري من طريق عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجون ويقسمون لله بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله، فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده فقال: إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي وعهدا وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به. فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين! مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فاعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، فإنما هم بغوا عليك فلا عهد لهم، فأرسل إلى علي فدعاه فلما جاءه قال: يا أبا حسن! إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فأرددهم عني فإن لهم الله عز وجل أن اعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي، فقال له علي: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإني لأرى قوما لا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيهم في قدمتهم الأولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشئ من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شئ، فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فاعطهم فوالله لأفين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال: أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكدوا عليه. قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم علي: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر، فقال عثمان: إضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي في مهلة، فإني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد، قال له علي: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك، قال: نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. قال علي: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار، فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح، قد كان اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس، فلما مضت الأيام الثلاثة وهو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه، ولم يعزل عاملا، ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الأنصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على أنك زعمت أنك تائب من أحداثك، وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه؟ قال: بلى أنا على ذلك. قال: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك؟ الحديث. (1)
سياسة ضئيلة
لما تكلم علي مع المصريين ورجعهم إلى بلادهم ورجع هو إلى المدينة دخل على عثمان وأخبره أنهم قد رجعوا فمكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان فقال له: تكلم واعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه. فأبى عثمان أن يخرج. فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما عنه رجعوا إلى بلادهم.
فناداه الناس من كل ناحية: اتق الله يا عثمان! وتب إلى الله. وكان أولهم عمرو ابن العاصي. قال: إتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب إلى الله نتب. إلى آخر ما مر في هذا الجزء صفحة 137.
(1) تاريخ الطبري 5: 116، الكامل لابن الأثير 3: 71، 72، شرح ابن أبي الحديد: 1: 166
نقدّم لکم قبسات من حياة الخلفاء الأمّة الإسلامیة من کتب العلّامة عبدالحسین الأمینی -رحمة الله علیه- مؤلف کتاب " الغدیر " .