قصة الحصار الثاني (2)
الخليفة تواب عواد
أخرج الطبري من طريق سفيان بن أبي العوجاء قال: قدم المصريون القدمة الأولى فكلم عثمان محمد بن مسلمة فخرج في خمسين راكبا من الأنصار فأتوهم بذي خشب فردهم ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبد الله بن سعد فكروا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلف بها من الناس الأشتر و حكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه وقال: هذا مفتعل. قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك؟ قال: أجل، ولكنه كتبه بغير أمري قالوا: فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك؟ قال: أجل، ولكنه خرج بغير إذني. قالوا: فالجمل جملك قال: أجل، ولكنه أخذ بغير علمي. قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك، لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل الأمر دونه لضعفه وغفلته، وقالوا له: إنك ضربت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحق عند ما يستنكرون من أعمالك، فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم، فقال: الإمام يخطئ ويصيب فلا أقيد من نفسي لأني لو أقدت كل من أصبته بخطأ أتى على نفسي قالوا: إنك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع، فإذا كلمت فيها أعطيت التوبة ثم عدت إليها و إلى مثلها ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولامنا فيك محمد بن مسلمة، وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرأ منك وقال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أول مرة لنقطع حجتك ونبلغ أقصى الأعذار إليك نستظهر بالله عز وجل عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت أنه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك عليه وخاتمك فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم، والأثرة في القسم، والعقوبة للأمر بالتبسط من الناس، والإظهار للتوبة ثم الرجوع إلى الخطيئة ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نجعلك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحدث مثل ما جربنا منك، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا، فإن ذلك أسلم لنا منك، فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فإنكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أما قولكم: تخلع نفسك. فلا أنزع قميصا قمصنيه الله عزوجل وأكرمني به وخصني به على غيري ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشئ عابه المسلمون، فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه.
قالوا: إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم نقم عليه لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك ولكنه: قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرة الأولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك، وكيف نقبل توبتك؟ وقد بلونا منك أنك لا تعطي من نفسك التوبة من ذنب إلا عدت إليه، فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك، فإن حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتى نخلص إليك فنقتلك، أو تلحق أرواحنا بالله.
فقال عثمان: أما أن أتبرأ من الإمارة فإن تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله عز وجل وخلافته وأما قولكم: تقاتلون من قاتل دوني. فإني لا آمر أحدا بقتالكم (1) فمن قاتل دوني فإنما قتل بغير أمري، ولعمري لو كنت أريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الأجناد (2) فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق، فالله الله في أنفسكم فابقوا عليها إن لم تبقوا علي: فإنكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دما. قال: ثم انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلمه أن يردهم فقال: والله لا أكذب الله في سنة مرتين. تاريخ الطبري 5: 120، 121.
____________
(1) لم يكن معه هناك غير بني أبيه حتى يأمر أحدا بالقتال وهم ليسوا هناك وقد تحصنوا يوم قتله بكندوج أم حبيبة كما يأتيك حديثه.
(2) كان يتأهب للقتال، ويستعد بالسلاح، ويكتب إلى الأجناد، ويجلب إلى المدينة الجنود المجندة من الشام، وغيرها، غير أنه كان يغفل الناس بكلماته هذه وسنوافيك كتبه.
نقدّم لکم قبسات من حياة الخلفاء الأمّة الإسلامیة من کتب العلّامة عبدالحسین الأمینی -رحمة الله علیه- مؤلف کتاب " الغدیر " .