نظرة في الموضوعات

هذه الموضوعات اختلقت تجاه التاريخ الصحيح المتسالم عليه المأخوذ من مئات الآثار الثابتة المعتضد بعضها ببعض، فيضادها ما أسلفناه في البحث عن آراء أعاظم الصحابة في عثمان وما جرى بينهم وبينه من سئ القول والفعل، وفيهم بقية أصحاب الشورى وغير واحد من العشرة المبشرة وعدة من البدريين، وقد جاء فيه ما يربو على مائة وخمسين حديثا راجع ص 69 - 157 من هذا الجزء.

وتكذبها أحاديث جمة مما قد منا ذكرها ص 157 - 163 من حديث المهاجرين والأنصار وأنهم هم قتلة عثمان.

ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى الصحابة في الثغور من أن الرجل أفسد دين محمد فهلموا وأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويقسمون له بالله أنهم لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من الله.

ومن حديث كتاب المهاجرين إلى مصر أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإن كتاب الله قد بدل، وسنة رسوله قد غيرت. إلى آخر ما مر في ص 161، 162.

ومن حديث الحصار الأول المذكور في صفحة 168 - 177.

ومن حديث كتاب المصريين إلى عثمان إنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلحة مبلجة. إلى آخر مر ص 170.

ومن حديث عهد الخليفة على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنة سنة 35 كما مر ص 170 - 172.

ومن حديث توبته مرة بعد أخرى كما فصلناه ص 172 - 178.

ومن حديث الحصار الثاني الذي أسلفناه ص 177 - 189.

ومن حديث كتاب عثمان إلى معاوية في أن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة. إلى آخر ما سبق في صفحة 190.

ومن حديث كتابه إلى الشام عامة: إني في قوم طال فيهم مقامي واستعجلوا القدر في. وخيروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل الدحيل، وبين أن أنزع لهم رداء الله. إلى آخر ما مر ص 190.

ومن حديث كتابه أهل البصرة المذكور صفحة 191.

ومن حديث كتابه إلى أهل الأمصار مستنجدا يدعوهم إلى الجهاد مع أهل المدينة واللحوق به لنصره كما مر ص 191.

ومن حديث كتابه إلى أهل مكة ومن حضر الموسم ينشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابه إلا قدم عليه. إلخ.

ومن حديث يوم الدار والقتال فيه، وحديث من قتل في ذلك المعترك مما مضى في ص 198 - 204.

ومن حديث مقتل عثمان وتجهيزه ودفنه بحش كوكب بدير سلع مقابر اليهود المذكور ص 204 - 217.

ومما ثبت من أحوال هؤلاء الذين زعموا أنهم بعثوا أبنائهم للدفاع عن عثمان، وأنهم لم يفتأوا مناوئين له إلى أن قتل وبعد مقتله إلى أن قبر في أشنع الحالات، أما علي أمير المؤمنين فمن المتسالم عليه أنه لم يحضر مقتل الرجل في المدينة فضلا عن دخوله عليه قبيل ذلك واستيذانه منه للذب عنه وبعد مقتله وبكاءه عليه وصفعه ودفعه وسبه ولعنه وحواره حول الواقعة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 230 ردا علي حديث: الظاهر أن هذا ضعيف لأن عليا لم يكن بالمدينة حين حصر عثمان ولا شهد قتله.

وقد سأله عثمان أن يخرج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، و كان ذلك مرة بعد أخرى وفي إحداهما قال لابن عباس: قل له فليخرج إلى ماله بينبع فلا أغتم به ولا يغتم بي. فأتى ابن عباس عليا فأخبره فقال عليه السلام: يا ابن عباس! ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب أقبل وأدبر، بعث إلي أن أخرج، ثم بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج.

وعلي عليه السلام هو الذي مر حديث رأيه في عثمان فراجع حتى يأتيك اليقين بأنه صلوات الله عليه لم يكن كالواله الحزين، ولم يكن ذاهبا عقله يوم الدار، ولا يقذفه بهذه الفرية الشائنة إلا من ذهبت به الخيلاء، وتخبطه الشيطان من المس، وخبل حب آل أمية قلبه واختبله، فلا يبالي بما يقول، ولا يكترث لما يتقول.

وأما طلحة فحدث عنه ولا حرج، كان أشد الناس على عثمان نقمة، وله أيام الحصارين وفي يومي الدار والتجهيز خطوات واسعة ومواقف هائلة خطرة ثائرة على الرجل كما مر تفصيل ذلك كله، وإن كنت في ريب من ذلك فاسأل عنه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لتسمع منه قوله: والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لأنه مظنته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط مما أجلب فيه ليلبس الأمر ويقع الشك. وقوله: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل. إلى أقواله الأخرى التي أوقفناك عليها.

وسل عنه عثمان نفسه وقد مرت فيه كلماته المعربة عن جلية الحال، وسل عنه مروان لماذا قتله؟ وما معنى قوله حين قتله لأبان عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك؟

وسل عنه سعدا ومحمد بن طلحة وغيرهما ممن مر حديثهم.

وأما الزبير فإن سألت عنه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فعلى الخبير سقطت قال عليه السلام له: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟ سلط الله على أشدنا عليه اليوم ما يكره، وقال فيه وفي طلحة: إنهم يطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه، وإن كان ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم. إلى آخر ما أسلفناه من كلماته عليه السلام.

وقد مر قول ابن عباس: أما طلحة والزبير فإنهما أجلبا عليه وضيقا خناقه. و قول عمار بن ياسر في خطبة له: إن طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر.

وقول سعيد بن العاص لمروان: هؤلاء قتلة عثمان معك إن هذين الرجلين قتلا عثمان:

طلحة والزبير، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالحوبة.

وأما سعد بن أبي وقاص فهو القائل كما مر حديثه: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه ولكن عثمان غير وتغير، وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله.

وأعطف على هؤلاء بقية الصحابة الذين حسب واضعوا هذه الروايات أنهم بعثوا أبناءهم للدفاع عن عثمان، وقد أسلفنا إجماعهم عدا ثلاثة رجال منهم على مقته المفضي إلى قتله، وهل ترى من المعقول أن يمقته الآباء إلى هذا الحد الموصوف ثم يبعثوا أبنائهم للمجالدة عنه؟ إن هذا إلا اختلاق.

وهل من المعقول أن القوم كانوا يمحضون له الولاء، وحضروا للمناضلة عنه، فباغتهم الرجلان اللذين أجهزا عليه وفرا ولم يعلم بهما أحد إلى أن أخبرتهم بهما الفرافصة ولم تعرفهما هي أيضا، وكانت إلى جنب القتيل تراهما وتبصر ما ما ارتكباه منه؟.

وهل عرف مختلق الرواية التهافت الشائن بين طرفي ما وضعه من تحريه تقليل عدد المناوئين لعثمان المجهزين عليه حتى كاد أن يخرج الصحابة الآباء منهم والأبناء عن ذلك الجمهور، ومما عزاه إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من قوله لما انثال إليه القوم ليبايعوه: والله إني لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان. الخ؟ وهو نص على أن مبايعيه أولئك هم كانوا قتلوا عثمان وهم هم المهاجرون والأنصار الصحابة الأولون الذين جاء عنهم يوم صفين لما طلب معاوية من الإمام عليه السلام قتلة عثمان وأمر عليه السلام بتبرزهم فنهض أكثر من عشرة آلاف قائلين: نحن قتلته، يقدمهم عمار بن ياسر، ومالك الأشتر، و محمد بن أبي بكر، وفيهم البدريون، فهل الكلمة المعزوة إلى الإمام عليه السلام لمبايعيه عبارة أخرى عن الرجلين المجهولين اللذين فرا ولم يعرف أحد خبرهما؟ أو هما وأخلاط من الناس الذين كانت الصحابة تضادهم في المرمى؟ وهل في المعقول أن يلهج بهذا إلا معتوه؟

وهل نحت هذا الانسان الوضاع إن صدق في أحلامه عذرا مقبولا لأولئك الصحابة العدول الذابين عن عثمان بأنفسهم وأبنائهم الناقمين على من ناوئه في تأخيرهم دفنه ثلاثا وقد ألقي في المزبلة حتى زج بجثمانه إلى حش كوكب، دير سلع، مقبرة اليهود، ورمي بالحجارة، وشيع بالمهانة، وكسر ضلع من أضلاعه، وأودع الجدث بأثيابه من غير غسل ولا كفن، ولم يشيعه إلا أربعة، ولم يمكنهم الصلاة عليه؟ فهل كل هذا مشروع في الاسلام، والصحابة العدول يرونه ويعتقدون بأنه خليفة المسلمين، وأن من قتله ظالم، ولا ينبسون فيه ببنت شفة، ولا يجرون فيه أحكام الاسلام؟ أو أنهم ارتكبوا ذلك الحوب الكبير وهم لا يتحوبون متعمدين؟ معاذ الله من أن يقال ذلك. أو أن هذا الانسان زحزحته بوادره عن مجاري تلكم الأحكام، وحالت شوارده بينه وبين حرمات الله، وشرشرت منه جلباب الحرمة والكرامة ومزقته تمزيقا، حتى وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة؟

ومن الكذب الصريح في هذه الروايات عد سعد بن أبي وقاص في الرعيل الأول ممن بايع عليا عليه السلام وهو من المتقاعدين عن بيعته إلى آخر نفس لفظه وهذا هو المعروف منه والمتسالم عليه عند رواة الحديث ورجال التاريخ، وقد نحتت يد الافتعال في ذلك له عذرا أشنع من العمل، راجع مستدرك الحاكم 3: 116.

ومن المضحك جدا ما حكاه البلاذري في الأنساب 5: 93 عن ابن سيرين من قوله: لقد قتل عثمان وإن في الدار لسبعمائة منهم الحسن وابن الزبير فلو أذن لهم لأخرجوهم من أقطار المدينة.

وعن الحسن البصري (1) قال: أتت الأنصار عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين! ننصر الله مرتين نصرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وننصرك. قال: لا حاجة لي في ذلك ارجعوا. قال الحسن: والله لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه.

أي عذر معقول أو مشروع هذا؟ يقتل خليفة المسلمين في عقر داره بين ظهراني سبعمائة صحابي عادل وهم ينظرون إليه، ومحمد بن أبي بكر قابض على لحيته عال بها

____________

(1) راجع إزالة الخفاء 2: 242


حتى سمع وقع أضراسه، وشحطه من البيت إلى باب داره، وعمرو بن الحمق يثب ويجلس علي صدره، وعمير بن ضابئ يكسر أضلاعه، وجبينه موجوء بمشقص كنانة بن بشر، ورأسه مضروس بعمود التجيبي، والغافقي يضرب فمه بحديد، ترد عليه طعنة بعد أخرى حتى أثخنته الجراح وبه حياة فأرادوا قطع رأسه فألقت زوجتاه بنفسهما عليه، كل هذه بين يدي أولئك المئات العدول أنصار الخليفة غير أنهم ينتظرون حتى اليوم إلى إذن القتيل وإلا كانوا أخرجوهم من أقطار المدينة، ولو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه. أين هذه الأضحوكة من الاسلام والكتاب والسنة والعقل والعاطفة والمنطق والاجماع والتاريخ الصحيح؟!.

نظرة في المؤلفات

إن ما سطرناه في عثمان إلى هذا الحد أساس ما علوا عليه بنيان فضله، وتبرير ساحته عن لوت أفعاله وتروكه، وتعذيره في النهابير التي ركبها والدفاع عنه، وقد أوقفناك على الصحيح الثابت مما جاء فيه، وعلى المزيف الباطل مما وضع له، ومن جنايات المؤرخين ضربهم الصفح عن الأول، وركونهم إلى الفريق الثاني من الروايات فبنوا ما شادوه على شفا جرف هار، فلم يأت بغيرها أي عثماني في العقيدة، أموي في النزعة، ضع يدك على أي كتاب لأحدهم في التاريخ والحديث مثل تاريخ الأمم والملوك للطبري، والتمهيد للباقلاني، والكامل لابن الأثير، والرياض النضرة للمحب الطبري، وتاريخ أبي الفدا، وتاريخ ابن خلدون، والبداية والنهاية لابن كثير، والصواعق لابن حجر، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، وروضة المناظر لابن الشحنة الحنفي، وتاريخ أخبار الدول للقرماني، وتاريخ الخميس للديار بكري، ونزهة المجالس للصفوري، ونور الأبصار للشبلنجي، تجده مشحونا بتلكم الموضوعات المسلسلة، أتوا بها مرسلين إياها إرسال المسلم، وشوهوا بها صحيفة التاريخ بعد ما سودوا صحائفهم، وموهوا بها على الحقائق الراهنة.

وجاء بعد هؤلاء المحدثون المتسرعون وهم يحسبون أنهم يمحصون التاريخ والحديث تمحيصا، ويحللون القضايا والحوادث تحليلا صحيحا متجردين عن الأهواء والنزعات غير متحيزين إلى فئة، ولا جانحين إلى مذهب، لكنهم بالرغم من هاتيك الدعوى وقعوا في ذلك وهم لا يشعرون، فحملوا إلينا كل تلكم الدسائس في صور مبهرجة رجاء أن تنطلي عند الرجرجة الدهماء، لكن قلم التنقيب أماط الستار عن تمويههم، وعرف الملأ الباحث أنهم إنما ردوا ما هنالك من بوائق ومخازي.

كما ردها يوما بسوءته عمرو

وأثبتوا فضائل بنيت على أساس منهدم، وربطوها بعرى متفككة، فهلم معي نقرأ صحيفة من " الفتوحات الإسلامية " تأليف مفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان مما ذكره في الجزء الثاني من سيرة الخلفاء الأربعة ص 354 - 517 قال في ص 492 تحت عنوان: ذكر ما كان لسيدنا عثمان من الاقتصاد في الدنيا وحسن السيرة: كان عثمان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، عادلا في بيت المال (1) لا يأخذ لنفسه منه شيئا (2)(3) وأنزل الله فيه: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (4) وقوله تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه (5). وقوله تعالى: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (6). لأنه كان غنيا، وغناه كان مشهورا من حياة النبي صلى الله وعليه وسلم وبعد وفاته، وكان كثير الانفاق في نهاية الجود والسماحة والبذل في القريب والبعيد وكان يخطب الناس وعليه إزار غليظ عدني ثمنه أربعة دراهم (7) وكان يطعم الناس طعام الأمارة ويدخل بيته يأكل الخل والزيت، قال الحسن البصري: دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان متكئا على ردائه فأتاه سقا آن يختصمان إليه فقضى بينهما،

____________

(1) فلماذا نقم عليه الصحابة أجمع؟ ولماذا قتلوا ذلك الزاهد الراغب العادل؟

(2) راجع الجزء الثامن ص 288، 289 ط 2.

(3) إلا من كان يمت بالبيت الهاشمي ويحمل ولاء العترة كأبي ذر وعمار وابن مسعود ونظرائهم

(4) مر في الجزء الثامن ص 57 ط 2 بطلان هذا التقول على الله.

(5) أسلفنا في هذا الجزء في ترجمة عمار القول الصحيح في نزول الآية.

(6) مر في الجزء الثاني ص 51 ط 2 نزولها في علي وحمزة وعبيدة بن الحرث. وأخرج البخاري في صحيحه في التفسير ج 7: 91 نزولها في أنس بن النضر وذكر ابن حجر نزولها في جماعة ولم يذكر فيهم عثمان، راجع فتح الباري 8: 420.

(7) راجع ما رويناه في الجزء الثامن ص 291 ط 2.




وعن عبد الله بن شداد قال: رأيت عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة وهو يومئذ أمير المؤمنين وعليه ثوب قيمته أربعة دراهم. وسئل الحسن البصري ما كان رداء عثمان؟ قال: كان قطري. قالوا: كم ثمنه؟ قال: ثمانية دراهم. وكان رضي الله عنه شديد المتواضع، قال الحسن البصري: رأيت عثمان وهو أمير المؤمنين نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجئ الرجل فيجلس إليه، ثم يجئ الرجل فيجلس إليه، فيجلس هو كأنه أحدهم وروى خيثمة قال: رأيت عثمان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين، وفي رواية أخرى لخيثمة أيضا: رأيت عثمان يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصاة في جنبه فيقول الناس: يا أمير المؤمنين! وكان يلي وضوءه في الليل بنفسه فقيل له: لو أمرت بعض الخدم لكفوك، قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه، وكان رضي الله عنه يعتق في كل جمعة رقبة منذ أسلم إلا أن لا يجد ذلك تلك الجمعة فيجمعها في الجمعة الأخرى. قال العلامة ابن حجر في الصواعق: إن جملة ما أعتقه عثمان رضي الله عنه ألفان وأربعمائة. ومن تواضعه: أنه كان يردف غلامه خلفه أيام خلافته ولا يعيب ذلك. وكان يصوم النهار ويقول الليل إلا هجعة من أوله. وكان يختم القرآن كل ليلة في صلاته. وكان كثيرا ما يختمه في ركعة، وكان إذا مر على المقبرة يبكي حتى تبتل لحيته، وكان من العشرة المبشرين بالجنة. ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض، وكان من السابقين للاسلام، فإنه أسلم بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة، و شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والزهد في الدنيا، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: رحمك الله يا عثمان! ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك (1) وكثرت الفتوحات في زمن خلافته فقد فتح في زمنه أفريقية وسواحل الأردن وسواحل الروم واصطخر وفارس وطبرستان وسجستان وغير ذلك، وكثرت أموال الصحابة في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف، وعن الحسن البصري قال: كانت الأرزاق في زمن عثمان وافرة وكان الخير كثيرا، وأصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك فاشترى طعاما يصلح العسكر وأخرج أبو يعلى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عثمان في الجنة وقال: لكل نبي خليل

____________

(1) هل تؤيد هذه الصحيحة المزعومة وما قبلها سيرة الرجل؟ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون.




في الجنة وإن خليلي عثمان بن عفان. وفي رواية: لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان بن عفان. وقال صلى الله عليه وسلم: ليدخلن بشفاعة عثمان سبعون ألف كلهم استحقوا النار الجنة بغير حساب. وأخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه: أول من هاجر إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله تعالى بأهله بعد لوفى، ولما زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنته أم كلثوم لعثمان قال لها: إن بعلك لأشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: أشد أمتي حياء عثمان بن عفان. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلي أن أزوج كريمتي يعني رقية وأم كلثوم من عثمان. وقال صلى الله عليه وسلم: إن عثمان حيي تستحي منه الملائكة، و قال صلى الله عليه وسلم: إنما يشبه عثمان بأبينا إبراهيم. وقال صلى الله عليه وسلم: ما زوجت عثمان بأم كلثوم إلا بوحي من السماء. وقال صلى الله عليه وسلم لعثمان: يا عثمان! هذا جبريل يخبرني إن الله زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها، وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله! علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله! علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ما على عثمان ما فعل بعد اليوم. وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثره في حجره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. وفي رواية عن حذيفة: إنها عشرة آلاف دينار فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول: غفر الله لك يا عثمان! ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما عمل بعدها، وأخرج الواحدي: إن الله أنزل بسبب ذلك في حق عثمان: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وعن أبي سعيد الخدري قال: ارتقبت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من أول الليل إلى أن طلع الفجر يدعو لعثمان بن عفان يقول: أللهم عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه، فما زال رافعا يديه حتى طلع الفجر. وعن جابر بن عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا عثمان! ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت وما هو كائن إلى يوم القيامة. الخ.

هذه بلايا تمنتها يد الغلو في الفضائل، منيت بها الأمة، وطمست تحت أطباقها حقايق العلم والدين، وانطمست بها أنوار الهداية، وستعرف أنها روايات مختلقة زيفتها نظارة التنقيب ولا يصح منها شئ، غير أن المفتي دحلان على مطمار قومه أرسلها إرسال المسلم، وموهها على أغرار الملأ الديني، ولا يجد عن سردها منتدحا، ذلك مبلغهم من العلم إن هم إلا يظنون، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.

* (الفتنة الكبرى) *

واقرأ صحيفة من " الفتنة الكبرى " للدكتور طه حسين قال في بدء كتابه. هذا حديث أريد أن أخلصه للحق ما وسعني إخلاصه للحق وحده، وأن أتحرى فيه الصواب ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلا، وأن أحمل نفسي فيه على الانصاف لا أحيد عنه ولا أمالئ فيه حزبا من أحزاب المسلمين على حزب، ولا أشايع فيه فريقا من الذين اختصموا في قضية عثمان دون فريق، فلست عثماني الهوى، ولست شيعة لعلي، و لست أفكر في هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين حاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها.

وأنا أعلم أن الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضية إلى الآن كما كانوا ينقسمون فيها أيام عثمان رحمه الله، فمنهم العثماني الذي لا يعدل بعثمان أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشيخين، ومنهم الشيعي الذي لا يعدل بعلي رحمه الله بعد النبي أحدا لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما وقارا، ومنهم من يتردد بين هذا وذاك يقتصد في عثمانيته شيئا، أو يقتصد في تشيعه لعلي شيئا، فيعرف لأصحاب النبي مكانتهم ويعرف لأصحاب السابقة منهم سابقتهم، ثم لا يفضل بعد ذلك أحدا منهم على الآخر يرى أنهم جميعا قد اجتهدوا ونصحوا لله ولرسوله وللمسلمين، فأخطأ منهم من أخطأ وأصاب منهم من أصاب، ولأولئك وهؤلاء أجرهم لأنهم لم يتعمدوا خطيئة ولم يقصدوا إلى إساءة، وكل هؤلاء إنما يرون آراءهم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها و يتفانون في سبيلها، لأنهم يفكرون في هذه القضية تفكيرا دينيا، يصدرون فيه عن الإيمان، ويبتغون به ما يبتغي المؤمن من المحافظة على دينه والاستمساك بيقينه وابتغاء رضوان الله بكل ما يعمل في ذلك أو يقول.

وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريدا كاملا من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها الخ.

هكذا يحسب الدكتور ويبدي أنه لا يروقه النزول على حكم العاطفة ولا التحيز إلى فئة أو جنوح إلى مذهب، وقد تجرد فيما كتب عن كل ذلك حتى عن الإيمان والدين، وزعم أنه قصر نظرته في قضايا عثمان على البساطة ليتسنى له الحكم الطبيعي، والقول في تلكم الحوادث على الحقائق المحضة، هكذا يحسب الدكتور، لكنه سرعان ما انقلب على عقبيه كرا على ما فر منه، فلم يسعه إلا الركون إلى العواطف ومتابعة النزعات، فلم يرتد إلا تلكم السفاسف التي اختلقتها سماسرة العثمانيين، ولم يسرح في مسيره إلا مقيدا بسلاسل أساطير الأولين التي سردها الطبري ومن شايعه أو سبقه بتلك الأسانيد الواهية والمتون المزيفة التي أوقفناك عليها في هذا الجزء وفيما سبقه من الأجزاء، فلم نجد مائزا بين هذا الكتاب وبين غيره من الكتب التي حسب الدكتور أن مؤلفيها حدت بهم الميول والنزعات، فما هو إلا فتنة كبرى كما سماه هو بذلك.

ترى الدكتور يحايد حذرا من أن يحيد عن مهيع الحق ويجور في الحكم، و زعم الحياد أسلم في اليوم الحاضر كما كان في الأمس الدابر، فذهب مذهب سعد بن أبي وقاص الحايد في القضية واتبع أثره، قال في ديباجة كتابه: عاش قوم من أصحاب النبي حين حدثت هذه القضية وحين اختصم المسلمون حولها أعنف خصومة عرفها تاريخهم فلم يشاركوا فيها ولم يحتملوا من أعبائها قليلا ولا كثيرا، وإنما اعتزلوا المختصمين وفروا بدينهم إلى الله، وقال قائلهم سعد بن أبي وقاص رحمه الله: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول: أصاب هذا وأخطأ ذاك.

فأنا أريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه رحمهم الله، لا أجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء، وإنما أحاول أن أتبين لنفسي وأبين للناس الظروف التي دفعت أولئك وهؤلاء إلى الفتنة، وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرقتهم وما زالت تفرقهم إلى الآن، وستظل تفرقهم في أكبر الظن إلى آخر الدهر، وسيرى الذين يقرأون هذا الحديث أن الأمر كان أجل من عثمان وعلي وممن شايعهما وقام من دونهما، وأن غير عثمان لو ولي خلافة المسلمين في تلك الظروف التي وليها لتعرض لمثل ما تعرض له من ضروب المحن والفتن، ومن اختصام الناس حوله واقتتالهم بعد ذلك فيه. ا هـ.

هاهنا نجد الدكتور جاريا على ما عهد إلى نفسه تجرد عن العواطف، وجانب المبادئ الدينية، وحايد الدين الحنيف حقا، ونظر إلى القضية بالحرية المحضة، وحسبها فتنة يحق للعاقل أن يكون فيها كابن لبون لا ظهر له فيركب ولا ضرع فيحلب، ونعم الرأي هذا لولا الاسلام المقدس، لولا ما جاء به نبي العظمة، لولا ما نطق به كتاب الله العزيز، لولا ما تقتضيه فروض الانسانية والعواطف البشرية القاضية بخلاف ما ذهب إليه الدكتور، وإني لست أقضي العجب منه، ولست أدري كيف يقدس مذهب ابن أبي وقاص، أيسوغ للباحث المسلم أن يصفح في تلكم القضايا عن حكم الدين المقدس، ويشذ عما قرره نبي الاسلام، ويسحق العواطف كلها حتى ما يستدعيه الطبع الانساني والغريزة العادلة في كسح الفساد والتفاني دون صالح المجتمع العام؟

ألم يكن هنالك كتاب ناطق أو سنة محكمة أو شريعة حاكمة أو عقل سليم يبعث الملأ الديني إلى الدفاع عن كل مسلم مدت إليه يد الظلم والجور فضلا عن خليفة الوقت الواجب طاعته؟

ما الذي أحوج المتمسك بعرى الدين الحنيف إلى سيف يعقل ويبصر وينطق والله يقول: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر؟ أو لم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه.

ما الذي أذهل الدكتور عن قول الصحابي العظيم حذيفة اليماني: لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل؟ وكيف يشتبه الحكم في القضية على المسلم النابه وهي لا تخلو عن وجهين، فإن عثمان إن كان إماما عادلا قائما بالقسط عاملا بالكتاب والسنة مرضيا عند الله؟ فالخروج عليه معلوم الحكم عند جميع فرق المسلمين لا يختلف فيه اثنان، ولا تشذ فئة عن فئة، وإن لم يكن كذلك وكان كما حسبه أولئك العدول من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومرت آرائهم ومعتقداتهم فيه؟

فالحكم أيضا بين مبرهن بالكتاب العزيز كما استدل بذلك الثائرون عليه لما قال لهم: لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه. أو كفر بعد إسلامه، أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها. فقالوا: إنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الأرض فسادا، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيت، ومنعت الحق، وحلت دونه وكابرت عليه. الحديث " راجع ص 205 " فنحن لا نعرف وجها للحياد كما ذهب إليه ابن أبي وقاص في القضية وفي المواقف الهائلة بعدها، فالحياد - وإن راق الدكتور - تقاعد عن حكم الله، وتقاعس عن الواجب الديني، وخروج عما قررته الحنيفية البيضاء، نعم: الحياد حيلة أولئك المتشاغبين المتقاعدين عن بيعة إمام المتقين أمير المؤمنين، المتقاعسين عن نصرته، المتحايدين عن حكم الكتاب والسنة في حروبه ومغازيه، عذر تترس به سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عمر وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري ومحمد بن مسلمة السابقون الأولون من رجال الحياد الزائف، والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

كتاب عثمان بن عفان

وأعطف على كتاب عثمان بن عفان للمدرس في كلية اللغة العربية بمصر الأستاذ صادق إبراهيم عرجون نظرة ممعنة حيث يقول في فاتحته: فهذا طراز من البحث في سيرة ثالث الراشدين " عثمان " رضي الله عنه، صورت به حياته صورة لا أعيذها من إجمال غير مجحف بحق، ولا أعضها تفصيل يظهر حجة أو يدفع شبهة.

وقد احتفلت فيه بتحقيق ما احتف بهذه السيرة الأسيفة من عوامل اجتماعية و سياسية، دفعت المجتمع الاسلامي دفعا عاصفا إلى أخطر انقلاب عرفه التاريخ في الاسلام وسيرة عثمان رضي الله عنه حرية بالبحث الممحص الهادئ، ليكشف منها ما سترته الأقاصيص العابثة من فضائل، وما شوهته الروايات الغالطة من محاسن، ويصحح ما غالطت بينها من حقائق، ويزيف ما بهرجه المتقولون من أكاذيب مزورة وحكايات باطلة.

وقد حاولت جهدي أن أتتبع الخطوط الأصيلة في حياة عثمان رضي الله عنه، فلائمت بينها حتى ارتسمت منها هذه الصورة التي أرجو أن تكون لبنة بين لبنات متساندة في دراسة حياة رجالات الاسلام، وسير أبطاله الغر الميامين، تبصرة وذكرى للمؤمنين. والله ولي التوفيق.

ثم ألق نظرة أخرى على مواضيع كتابه تجدها غير منطبقة على ما يقول في شئ منها، وإنما هي نعرات طائفية ممقوتة، وفضائل مفتعلة دستها يد الغلو فيها، وسفاسف موضوعة حبذت الشهوات اختلاقها، كلل أساطير السلف بزخرف القول، وزخرف أباطيل الأولين بالبيان المزور، لم نجد له فحصا عن حال الأسانيد، وتهافت المتون، وفقه الحديث، وطرق مواضيع مهمة من فقه عثمان وأغاليطه وأحداثه وهو يروقه التفصي عنها فلم يتفص إلا بالتافهات لا سيما في المسائل الفقهية التي هو بمجنب عنها، فنحت لها أعذارا باردة، أو أنها أعظم من تلكم المآثم، فلنمر عليها كراما.

وما ظنك بكتاب يكون من مصادره كتاب فجر الاسلام، لأحمد أمين ذلك المتحذلق المختلق، وكتاب الخضري ذلك الأموي المباهت، ومحاضرات كرد علي العثماني الشامي المناوئ لأهل بيت الوحي، وأمثال هذه من كتب السلف والخلف مما لا يعرج عليه؟

وفيه الخلط والخبط، وضوضاء الدجالين، ولغط المستأجرين.

ومن أعجب ما رأيت قوله ص 41 من الكتاب تحت عنوان " الكذب على ذلك رسول الله ": وفي هذه المرحلة من تاريخ الاسلام بدئت أكاذيب الفرق والأحزاب فيما يكيد به بعضها لبعض، حتى أخذت تلك الأكاذيب صورة الحجاج بأحاديث يتقولها زعماء الفرق ورؤساء الأحزاب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كثر من هذه الأكاذيب ما زعموه كان في حق الأئمة والخلفاء، وقالت كل شيعة فيمن شايعته وفي منافسيه عندها ما شاء لها الهوى، وتجاذب هذا النوع طرفي الافراط والتفريط مدحا وذما، و اختلاقا وتقولا، حتى غشى سير هؤلاء الأجلاء بغشاء من الغموض حجب الحقايق عن كثير من الناظرين.

وليس بأقل خطرا من ذلك ما افترقوه في جنب القرآن الكريم من تأويلات محرفة لآيات الله تعالى عن مواضعها، ومن هنا وهناك تألفت سلسلة الموضوعات والخرافات والأساطير التي ابتلي بها المسلمون، وانتشرت بينهم التلبيسات الملتوية والشبه الغامضة، فشوهت جمال الشريعة المطهرة، وحشي بها كثير من كتب المؤلفين المتقدمين والمتأخرين، حتى أصبحت وبالا على الدين، وشرا على المسلمين، وحائلا دون نهضتهم وتقدمهم، وسلاحا في أيدي خصوم الاسلام، وعائقا عن الوصول إلى كثير من الحقايق التاريخية والعلمية والدينية، ولولا توفيق الله تعالى رحمة بهذه الأمة، ورعاية لهذا الدين الكريم، لطائفة من أئمة المسلمين المصطفين الأخيار، انتهضوا لنقد الأسانيد وتنقيح الروايات، وبهرجة الزائف منها، وحظر الرواية عن كل صاحب بدعة في الاسلام، لما بقيت للاسلام صورته النيرة التي جاء بها القرآن الحكيم، وأداها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه نقية صافية. ا هـ.

هذه نفثات الأستاذ الصادق، وهذه حسراته وزفراته المتصاعدة وراء ضياع التاريخ الاسلامي، وراء طمس الحقايق تحت أطباق الظلمات، وراء تشويه الأساطير والمخاريق والأباطيل جمال الشريعة المطهرة، ولعمر الحق لقد أحسن وأجاد، والرايد لا يكذب، غير أن المسكين هو من أسراء تلكم السلاسل المتسلسة من الموضوعات والخرافات التي ابتلي بها المسلمون، وعاقته الأغشية المدلهمة عن الوصول إلى الحقايق التاريخية والعلمية والدينية، وثبطته التلبيسات الملتوية عن نيل الصحيح الناصع من التاريخ والحديث، فما أصاب من الحق نيلا، وما أسعفته فكرته هذه على الطامات ولا قدر شعرة، وما أوضحت له سبل النجاح، وما هدته إلى المهيع اللايح، فليته ثم ليته كان يأخذ بأقوال أولئك الأئمة المصطفين الأخيار في نقد الأسانيد في الجرح والتعديل، وكان يعمل بها ويتخذها دستورا لنفسه، مقياسا فيما سطره من الأكاذيب والأفائك، وليته كان يرحم هذه الأمة، ويرعى هذا الدين الكريم مثلما هم رحموا ورعوا، وما زرف في تأليفه، وما أعاد لأساطير الأولين الخلقة جدتها بعد ألف وثلثمائة عاما من عمرها.

وهل هو بعد ما وقف على هذا الجزء ووجد كتابه مؤلفا من سلسلة بلايا وحلقة أباطيل زيفها أولئك الأئمة الذين هو اصطفاهم واختارهم وأثنى عليهم يقرع سن الندم ويتبع سنن الحق اللاحب؟ أو أنه يلج فيما سود به صحائف كتابه أو صحيفة تاريخه ويتمادى في غيه وليه؟ وما التوفيق إلا بالله.

كتاب إنصاف عثمان

تأليف الأستاذ محمد أحمد جاد المولى بك

هذا الكتاب أخدع من السراب، صفر من شواهد الانصاف، شرجه الأستاذ من سلسلة أخبار مدسوسة وروايات مختلقة، وإن درس هو بزعمه تاريخ عثمان دراسة الحذر منها فقال في ديباجته ص 4: درسنا تاريخ عثمان وعصره والثورة عليه دراسة الحذر من الأخبار المدسوسة، اليقظ لمواطن العبرة، المرجع كل حدث إلى بواعثه الأصلية وإن رانت عليها الشبهات.

ولم نكتف بما قال المؤرخون، بل مددنا بصرنا إلى أبعد من ذلك، فحللنا شخصيته، وبينا ما لها من صلة بالثورة عليه، ودرسنا حال المسلمين وقد نعموا بالراحة والثراء وانساحوا في الأصقاع يخالطون الأعاجم ويصهرون إليهم ويتخلقون بعاداتهم، وحال قريش وما انتابها من تفرق وتنازع على الرياسة، وبينا صلة ذلك بالتجني على الخليفة، وجلونا الفتنة التي أرثها في الأمصار أعداء عثمان وأعداء الاسلام، ونخلنا ذلك كله وصفيناه، واستخلصنا منه الأسباب الصريحة للفتنة.

ولم نغفل أن نعرض لما أخذ على عثمان، ولا أن ننتصف له حيث يستحق الإنصاف.

ومن حق عثمان أن تخصص لدراسته ودراسة عصره عشرات الكتب، فإنه الخليفة المهضوم الحق، المظلوم في الحكم عليه، على ما له من سابقة وفضل وإصلاحات، وعصره عصر انتقال واضطراب وثورات سياسية واجتماعية.

ونحن وإن بالغنا في الإحاطة وتوفي الزلل عرضة للتقصير، ولكنا اجتهدنا رأينا، فنرجوا أن نكون قد وفقنا لإبراز صورة واضحة لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين ففيها عظات وعبر. والله المستعان. ا هـ.

هذه لفاظته، وهذا حسن طويته وحرصه على النجاح، غير أنك تجده في جمعه وتأليفه كحاطب ليل رزم في حزمته كل رطب ويابس، وجاء يخبط خبط عشواء من دون أي فحص وتنقيب، لا يفقه ولا ينقه، لا يستصحب دراية في الحديث توقفه على الصحيح الثابت، وتعرفه الزائف البهرج، ولا بصيرة تميز له الحو من اللو، ولا علما ناجعا يجعجعه ويهديه إلى الفوز والنجاح، ولا فقها ينجيه من غمرات تلكم المعارك الوبيلة، ولا تثبتا يرشده إلى ما ينقذه من تلكم التلبيسات الملتوية، جول في مضمار تلكم الطامات التي جاء بها الطبري وغيره وحسبها أصولا مسلمة، وأسند في آرائه إلى فضائل مفتعلة نتاج أيدي الأمويين نسبا ونزعة، ومن المأسوف عليه جدا أنه أكدى وإن اجتهد رأيه، ولم يظفر بأمله وإن بالغ في الإحاطة بزعمه، وأبرز لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين صورة معقدة معضلة تخلو عن كل عظة وعبرة.

بسط القول في عبد الله بن سبأ وعزا إليه كل تلكم المعامع الثورات، وحسبه مادة الفكرة الناقمة على الخليفة وأساسها الوحيد في البلاد، ورأى معظم الصحابة أتباع نعرات ذلك المبتدع الغاشم، وطوع تلبيس ذلك اليهودي المهتوك، وقال في ص 42: عند ذلك يجد ابن سبأ منفذا إلى هذا الشيخ الزاهد (يعني أبا ذر) في عرض الدنيا فينشر آراءه في مجلسه ويغريه بالحكومة ويحرضه على الأغنياء، وصار يقول له: يا أبا ذر! ألا تعجب لمعاوية يقول: المال مال الله، ألا كل شئ لله؟ كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو إسم المسلمين. ظل أبو ذر يدعو إلى الاشتراكية المتطرفة بإرغام الأغنياء أن يساعدوا الفقراء ويتركوا أموالهم لهم، واتخذ بر الاسلام بالفقراء سبيلا إلى ذهاب المال من أربابه، وما قصد الاسلام هذا بل كما قال الله تعالى: والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم زيادة على الزكاة الشرعية. الخ.

وقال في ص 61: أما عمار فقد توجه إلى مصر وكان حاكمها مبغضا من المصريين لا يجدون حرجا في رميه بكل نقيصة، واستطاع أتباع ابن سبأ بحذقهم و مهارتهم في ذلك المكفهر أن يخدعوه بزخرف القول وزوره، وكان مع هذا في نفس عمار شئ من عثمان لأنه نفذ فيه حكم الله لما تقاذف هو والعباس بن عتبة بن أبي لهب، ولهذا لم يعد إلى الخليفة، ولم يطلعه على شئ مما رأى، ومال إلى اتباع ابن سبأ. ا هـ.

هذه صفحة من تلك الصورة الواضحة التي وفق الأستاذ لإبرازها، هذه هي الغاية المتوخاة التي بزعمه فيها عظات وعبر، هل يدري القارئ عن أي أبي ذر و عمار يحدث هذا الثرثار المجازف؟ حتى لا يبالي بما يقول ولا يكترث لما أسرف فيهما من القول، ولست أدري لماذا اقتحم الرجل في هذه الأبحاث الغامضة الخطرة التي يتيه فيها الناقد البصير؟ لماذا اقتحم فيها مع ضؤولة رأيه وجهله بأحوال الرجال ومقادير أفذاذ الأمة، وعدم عرفانه نفسيات خيرة البشر وصلحاء الصحابة ومبلغهم من الدين؟ لماذا اقتحم فيها مع بعده عن دراية الحديث، وعلم الدين، وفقه التاريخ؟

تراه تشزر وتعبأ للدفاع عمن شغفه حبه بكل ما تيسر له ولو بالوقيعة في عدول الصحابة أو في الصحابة العدول، وقد بينا في الجزء الثامن ص 349 ط 2 حديث الرجل في أبي ذر وأنه موضوع عنعنه أناس لا يعول عليهم عند مهرة الفن، وفصلنا القول في هذا الجزء في حديث عمار وأنه قط لم يتوجه إلى مصر، وأن ما ركن إليه الأستاذ لا يصح إسناده، ونحاشي عمارا عن أن يحمل ضغينة على أحد لإنفاذه حكم الله فيه، وهل الأستاذ طبق المفصل في رأيه هذا وبين يديه الذكر الحكيم والآية النازلة في عمار؟ وفي صفحات الكتب قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ملئ عمار إيمانا إلى أخمص قدميه. وقوله: إن عمارا مع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار. و قوله: ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما. إلى أحاديث أخرى مرت في هذا الجزء ص 20 - 28 تضاد تلكم الخزعبلات.

وللأستاذ في تبرير الخليفة كلمات ضخمة موجزة في طيها دسائس مطمورة، وتمويه على الحقائق التاريخية، يتلقاها الدهماء بالقبول ولا يرى عن الصفح عنها مندوحة قال في ص 35: من المسلم به أن الوليد هذا عين سنة 25 هجرية وهي السنة الأولى من حكم عثمان، وقد أجمع الناقدون والمؤرخون على أنه لم يقع منه خلال ست السنوات الأولى ما يسوغ توجيه النقد إليه، إذ كانوا يرون رائده تحري المصلحة العامة، وإسناد المناصب إلى الجديرين بها لا فرق بين قريب وبعيد. ا هـ.

دعوى الإجماع والاتفاق والاصفاق المكذوبة سيرة مطردة عند القوم جيلا بعد جيل سلفا وخلفا، وكتب الفقه والكلام والحديث والتاريخ مشحونة بهذه السيرة الممقوتة ومن أمعن النظر في كتاب المحلى لابن حزم، وكتابه الفصل في الملل والنحل، ومنهاج السنة لابن تيمية، والبداية والنهاية لابن كثير، يجد مئاة من الإجماعات المدعاة المشمرجة، والأستاذ اقتفى إثر أولئك الأمناء على ودائع العلم والدين وحذا حذوهم، كأنه لم يك يحسب أن يأتي عليه يوم يناقشه قلم التنقيب الحساب، أو أنه غير مكترث لأي تبعة ومغبة.

أنى من المتسالم عليه تولية الوليد سنة 25 وإن هو إلا قول سيف بن عمر كما نص عليه الطبري في تاريخه 7: 47 وزيفه، وعزاه ابن الأثير في الكامل إلى البعض، وقد عرفناك سيفا في الجزء الثامن ص 84 ط 2 وأنه: ضعيف متروك، ساقط، وضاع، اتهم بالزندقة. فالمعتمد عند المؤرخين أن تولية الوليد كانت سنة 26.

ثم أنى يصح كون السنة ال 25 هي السنة الأولى من حكم عثمان، وإنما توفي عمر في أواخر ذي الحجة سنة 23 وبويع عثمان بعد ثلاثة أيام من موت عمر، فالسنة الأولى من حكم عثمان هي 24.

وأين وأنى يسع لناقد أو مؤرخ فضلا عن إجماع الناقدين والمؤرخين أن يحسب صفو الجو من بوائق عثمان وبوادره ونوادره خلال ست السنوات الأولى، وهذه صفحات تاريخه في تلكم السنين مسودة بهنات وهنات، بل التاريخ سجل له من أول يوم تسنم عرش الخلافة، وقام نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، صرعة وعثرة لا تستقال، منها:

1 - أبطل القصاص لما استخلف ولم يقد عبيد الله بن عمر وقد أتى عظيما وقتل الهرمزان والجفينة وابنة أبي لؤلؤة، وأجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتل ابن عمر أخذا بالكتاب والسنة، غير أن عمرو بن العاص فلته عن رأيه، فذهب دم أولئك الأبرياء هدرا. وكانت أول قارورة كسرت في الاسلام بيد عثمان يوم ولي الأمر.

2 - لما استخلف صعد المنبر وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجلس أبو بكر وعمر فيه، جلس أبو بكر دونه بمرقاة، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة، فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم: اليوم ولد الشر (1).

3 - رد الحكم بن أبي العاص طريد النبي الأقدس ولعينه إلى المدينة لما ولي الخلافة، وبقي فيها حتى لعق لسانه، وهذا الإيواء مما نقم به على عثمان كما مر حديثه في ج 8: 242، 254، 258 ط 2.

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 140، تاريخ ابن كثير 7: 148.



4 - ولى الوليد بن عقبة سنة 26، 25 وعزل سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، وكان هذا في طليعة ما نقموا على عثمان (1) ثم وقع ما وقع من الوليد من شرب الخمر وتقاعد الخليفة عن حده. راجع الجزء الثامن ص 120 - 125 ط 2.

5 - هبته الوليد ما استقرض عبد الله بن مسعود من مال المسلمين لما قدم الوليد الكوفة وكان ابن مسعود على بيت المال، حتى نقم الخليفة على ابن مسعود وعزله و حبس عطاءه أربع سنين إلى أن مات سنة 32 وجرى بينه وبين الخليفة ما مر حديثه في هذا الجزء، وهذا مما أخذت الأمة خليفتهم به.

6 - زاد الأذان الثالث في أوليات خلافته كما في تاريخ ابن كثير، وقد فصلنا القول في أحدوثته هذه في الجزء الثامن ص 125 - 129 ط 2.

7 - وسع المسجد الحرام سنة 26 وابتاع من قوم منازلهم، وأبوا آخرون فهدم عليهم ودفع الأثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمر بهم للحبس وقال: ما جرأكم علي إلا حلمي. راجع الجزء الثامن ص 129 ط 2.

8 - أعطى خمس الغنائم في غزوة أفريقية الثانية مروان بن الحكم وهو من عمدة مآثم الخليفة، وكان ذلك سنة 27 من الهجرة الشريفة. راجع ج 8 ص 275 - 260 ط 2.

9 - حج سنة 29 وأتم الصلاة في مكان القصر في عامه هذا كما في تاريخ ابن كثير 7: 154، وهذه الأحدوثة مرت على تفصيلها في ج 8 ص 98 - 119.

10 - أعطى خمس أفريقية عبد الله بن سعد أبي سرح في غزوتها الأولى. راجع الجزء الثامن ص 279 ط 2.

إلى بوادر وعثرات أخرى صدرت من الخليفة خلال ست السنوات الأولى كل منها يسوغ توجيه النقد إليه، وكان من أول يومه مهما قرع سمعه نقد ناقد أو نصح ناصح لا يصيخ إليه، بل كان يؤاخذ من أغمز فيه، ويسومه سوء العذاب، وكان يلقي العرى إلى بني أمية في البلاد، ويفوض إليهم مقاليد الأمور، ويحسبه العلاج الوحيد في حل تلكم المشاكل، وتقصير خطي أولئك الناقدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حتى تمخضت عليه البلاد ووعرت القلوب، واتسع الخرق على الراقع.

وفي ظني الغالب أن تقدم ثقافة مصر اليوم هو الذي بعث أساتذتها إلى الاكثار في التأليف حول عثمان وتدعيم فضائله وفواضله، وشططوا في إطرائه وبالغوا في الذب عنه بتلفيق الكلام وتزويره، وتسطير الحدد من القول، وسرد المبوق البهرج، وذلك روما لتقديس ساحتهم عما اقترفته أيدي سلفهم الثائر المتجمهر على الخليفة، إذ حسبوه وصمة شوهت سمة الخلف منهم والسلف، وسودت صحيفة تاريخ مصر والمصريين، فهل يتأتى أمل الخلف بهذه الكتيبات المزخرفة؟ لعله يتأتى مثلما رام السلف تحقق توبتهم بالحوبة، لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون.

____________

(1) دول الاسلام 1: 9، البداية والنهاية 7: 151.