كتاب نوادر الأثر في علم عمر للعلامة الأميني (ص 109 - ص 123)


انعطاف الخليفة على القرآن واهتمامه به

أخرج الخطيب في رواة مالك، والبيهقي في شعب الإيمان، والقرطبي في تفسيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر قال: تعلم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا (1)

وقال القرطبي في تفسيره 1 ص 132: تعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة.

____________

(1) تفسير القرطبي 1 ص 34، سيرة عمر لابن الجوزي ص 165، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 111، الدر المنثور 1 ص 21،





قال الأميني: هذا يتم إما عن عدم انعطاف الخليفة على القرآن واهتمامه به مع أنه أهم أصول الاسلام، وقد انطوى فيه مهمات علومه حتى أنه تبطأ في تعلم سورة منه إلى غاية ذلك الأمد المتطاول، ولعله كان قد ألهاه عن ذلك الصفق بالاسواق كما ورد في غير واحد من هذه الآثار، واعتذر به هو وغيره من الصحابة، وإما عن قصور في فطنته و ذكاءه وجمود في القريحة يأبى عن انعكاس ما يلقى إليه فيها فيحتاج إلى تكرار ومثابرة كثيرة وترديد حتى ينتقش ما هم بتعلمه في الذاكرة.

وقد يؤكد الثاني ما مر في صحيفة 116 من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له: إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك، وما ذكر في ص 128 من قوله صلى الله عليه وآله وسلم له لحفصة. ما أرى أباك يعلمها. وقوله: ما أراه يقيمها.

ويساعد هذا ما في الكتب من أن عمر كان أعلم وأفقه من عثمان ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن (1).

وأيا ما كان فإن مدة التعلم هذه لا يمكن أن تكون على العهد النبوي، فإن سورة البقرة نزلت بالمدينة عند جميع المفسرين غير آيات نزلت في حجة الوداع، وقالت عائشة: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم (2) وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع الأول - على ما ذهب إليه القوم - من السنة الحادية عشر من مهاجرته، ومع ذلك لم يؤثر تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بد أن يكون تعلمه عند أحد الصحابة أو عند لفيف منهم وهم الذين يقول القائل: فإن الخليفة كان أعلمهم على الإطلاق.


____________

(1) عمدة القاري 2 ص 733 نقلا عن النهاية.

(2) فتح الباري 8 ص 130.


ويشهد هذا أيضا على خلو الرجل من أكثر علوم القرآن الموجودة في بقية السور فإن تعلمها على هذا القياس يستدعي أكثر من مائة وثلاثين عاما حسب أجزاء القرآن الكريم، فيفتقر الخليفة على هذا الحساب في تعلم جميع القرآن إلى ما يقرب من مائة وخمسين عاما، ولا يفي بذلك عمر الخليفة، على أن الأحكام في غير البقرة من السور أكثر مما فيها، فكان خليفة ومتعلما - والخليفة، هو معلم الناس لا المتعلم منهم - ولهذا كان لا يهتدي إلى جملة من الأحكام الموجودة في القرآن، كان يحسب أبسط شئ من معانيه تعمقا وتكلفا ويدعي أنه نهي عنه  وكان يقول: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ! إلى آخر ما مر عنه . . .

هذا شأن الخليفة قبل طرو النسيان عليه وأما بعده فروى محمد بن سيرين أن عمر في آخر أيامه اعتراه نسيان حتى كان ينسى عدد ركعات الصلاة فجعل أمامه رجلا يلقنه فإذا أومأ إليه أن يقوم أو يركع فعل (1).

وإن تعجب فعجب أنه مع ذلك كله ما كان يتنصل عن الحكم، ولا يرعوي عن الافتاء، وإن كان يظهر خطأه في كثير منها.

وبأبه اقتدى عدي في الكرم :

أخرج مالك في الموطأ 1 ص 162: إن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها، وذكره القرطبي في تفسيره 1 ص 34، وقال العيني في عمدة القاري 2 ص 732: حفظ عبد الله بن عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وفي طبقات ابن سعد كما في تنوير الحالك في شرح الموطأ لمالك 1 ص 162: إن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين. قال الباجي لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها.

كتاب نوادر الأثر في علم عمر للعلامة الأميني (ص 109 - ص 123)


(1) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 135، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 110.